الملكية الفكرية في الإسلام: أصل ضائع في ثقافتنا
الإسلام أسّس مبدأ الملكية الفكرية قبل أن يعرفه العالم الحديث: علم الحديث النبوي نموذج متكامل لحفظ الحقوق الفكرية. فأين نحن من هذا الأصل اليوم؟
"إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون" و "بلّغوا عني ولو آية" و "من كذب عليّ متعمداً، فليتبوأ مقعده في النار".
عندما يؤصّل معلّمنا الأول (صلى الله عليه وسلم) عن ربّه (عز وجل) مبدأ الملكية الفكرية في أصل الدين، وأن ديننا قائم على هذا المبدأ، فمنذ البداية كانت مشكلة المسيحية الأولى هي عدم التفريق بين كلام الرب وكلام العبد وكلام الأتباع! لذلك تجد أن الإسلام يركز على مبدأ حق الملكية الفكرية الذي تكفّل الله سبحانه وتعالى بحفظه لكتابه. ومن ثم ترسّخ هذا المبدأ في قلوب قوّاد النهضة الذين أقاموا عولمة إسلامية شملت مختلف العلوم والأديان والجنسيات والثقافات.
علم الحديث: تأصيل الملكية الفكرية للنبي صلى الله عليه وسلم
من أجمل العلوم التي طوّرت في هذا المجال هو علم أحب أن أسمّيه "تأصيل الملكية الفكرية للنبي صلى الله عليه وسلم"، ويختصرونه باسم علوم الحديث التي لا أراها قائمة أصلاً إلا على هذا المبدأ: حفظ أحاديث المصطفى (ص) ومنعها من الضياع ومنع انتساب الحديث لغير قائله.
الثورة التي قام بها علم الحديث تقوم على محورين رئيسين:
الأول: طريقة الجمع والتأصيل، وتشمل التدوين والنقل عن الرواة والتحقيق في سلسلة السند.
الثاني: الفلسفة التي قام عليها مبدأ الملكية الفكرية في علم الحديث، والتي تقدّم نظرة شمولية لما يسمى بالملكية الفكرية (Intellectual Property) في هذه الأيام. وهي في علم الحديث تشمل: أعمال المصطفى الفكرية، وكلامه، وأعماله، أفعاله، وحتى قراراته (ما يُقرّ وما يُنكر). هذه النظرة العظيمة التي أسّسها هذا العلم كفلت حق المفكر في عدم انتساب علمه إلى أحد والعكس.
أين نحن اليوم؟
لنلقِ نظرة على الحقوق الفكرية عندنا هذه الأيام. نلاحظ غياب هذا النوع من الوعي وبالذات في مسائل حقوق الملكية الفكرية المعنية بالأشياء غير المادية مثل التصاميم الهندسية والبرامج الإلكترونية والمدونات الإلكترونية والموسيقى والفنون والألعاب وحتى الأجهزة.
ينظر الناس للملكية الفكرية ويحصرونها في الكتب ونسخها وتوزيعها والاقتباس منها. لكن يتجاهلون حق المفكر في امتلاك فكره، وتكون فكرة التعدي عليها سائغة للكثير. فتجد أن ثقافة التعدي تُعلَّم وتترسّخ مفهومها في الأطفال منذ الصغر، فالآباء يعلّمون أطفالهم أن يشتروا الألعاب المقلّدة، وعندما يكبر الطفل يتعلّم أن يشتري البرامج المقلّدة، وفي المدرسة يرى أن مدرّس الحاسب في أحيان كثيرة لا يتورّع عن استخدام برامج مقرصنة.
التفكير السليم في المسألة
غالباً ما تكون حجّة هؤلاء غلاء الأسعار. لكن المونولوج الذي يدور في أذهانهم هو:
أأشتري 10 برامج مقلّدة بسعر برنامج أصلي؟
والمونولوج الصحيح الذي يجب أن يدور في أذهان الجميع هو:
أأتعدّى على 10 أعمال وأفكار في مقابل تقديري واحترامي لبرنامج أصلي بنفس السعر؟
الآن النظرة تختلف، ولو نلاحظ أن المقارنة غير أخلاقية أصلاً.
ومما أعجب له نظرة المروّج لهذه البرامج المقلّدة، أنه لا يحترم حقوق الآخرين ويريد لنفسه أن يكفل حقه. لقد انتشر هذه الأيام في ما يسمى "حراج الكومبيوتر" ممن يجمعون البرامج المقلّدة ويقدّمونها في قوالب تحمل ماركاتهم، ثم يكتب صاحبها تحذيراً في الداخل ويقسم على المستخدم أغلظ الأيمان أنه يشتري النسخة الأصلية منه!
الخلاصة
أنا أعتقد أنه يجب إعادة التفكير في هذه المبادئ التي تأصّلت في نفوس آبائنا قبل أبنائنا، ونعيد النظر في مسألة التعدي وانتهاك الحقوق. وأن المسألة أكبر من أن تُسنّ لها القوانين والروادع. المسألة تبدأ في البيوت قبل المدارس، وفي المدارس قبل المؤسسات المدنية، وكذا على مستوى الحكومات.
وائل كابلي
