لا توجد نوايا سيئة: نظرية تستحق التأمل
هل صحيح أن كل النوايا حسنة وأن الفعل وحده هو الذي يُحكم عليه؟ نظرية فلسفية تستحق التأمل في ضوء القرآن الكريم وأقوال الفلاسفة.
كتب الأخ أحمد الشقيري تغريدة عن مقولة مشهورة للفيلسوف الفرنسي المشهور هنري لويس بيرجسون:
"فكر كرجل أفعال وأفعل كرجل فكر"
أو كما اشتهرت بالإنجليزية: "Think like a man of action... Act like a man of thought"
هذه المقولة أثارت لديّ موضوع قديم كنت قد ناقشت فيه أصدقاء لي عدة مرات. هذه الفكرة تتكلم عن النية الحسنة وأنه لا وجود لنية سيئة أبداً، وأن خلف كل عمل نية حسنة.
وكان النقاش محتدماً بين الشباب لأن الفكرة صعبة الفهم والاستيعاب. فمن الممكن تفهم الفكرة بشكل عام ولكن عندما تطبّقها تقع في الخلط بين النية والعمل.
الفكرة بشكل مبسّط
يُقال أنه لا توجد نوايا سيئة، كلها نوايا حسنة فقط! ولكن الفعل قد يكون طيباً وقد يكون سيئاً، والغاية لا تبرر الوسيلة. بمعنى أن الشخص ممكن تكون نيته حسنة ويكون فعله سيئاً. الجدول يبيّن الأربع حالات في العلاقة بين النية والعمل:
- نية حسنة وفعل حسن
- نية حسنة وفعل سيئ
- نية سيئة وفعل حسن (لا توجد حسب النظرية)
- نية سيئة وفعل سيئ (لا توجد حسب النظرية)
النية في الإسلام
تكلّم كثير من الفلاسفة في موضوع النية وتطرّقت الديانة المسيحية وكذلك الإسلامية لمسألة النية. بل إن مسألة النية أخذت حيّزاً كبيراً في الإسلام، وكان أشهر حديث للنبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات). وهذا الحديث الذي قيل أنه المدخل إلى جميع العلوم الإسلامية. فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: "هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين باباً من أبواب الفقه، وما ترك لمبطل ولا مضار ولا محتال حجة إلى لقاء الله تعالى."
ما قاله الدكتور صلاح الراشد
ناقش الدكتور صلاح الراشد في أكثر من لقاء مسائل في النية وتعريفها وأصلها والفرق بينها وبين التمني والرغبة، وبعدها ناقش موضوع النية الحسنة وراء كل عمل:
"كل حرب في العالم قامت على نية حسنة! نية طيبة. النية الحسنة لا تحقق بالضرورة الشيء الحسن. إن معظم شرور الناس من نوايا حسنة (ليست سيئة)! إن من يفجر، ويقتل الأبرياء، ويسفك الدماء، نيته أن يخدم دينه! ويرضي ربه! هذا يقتل ويسفك ويضر عباد الله والدنيا بنية أن يرضي ربه."
"النية الحسنة ليست دليلاً على النتيجة. نحن لا نحصل على النتائج الطيبة لأن نوايانا حسنة. إن النتيجة الحسنة تحتاج أكثر من نية حسنة. لو كانت النية الحسنة كفيلة بالحصول على النتائج الحسنة لرأيت المؤمنين أغنى وأطهر وأعلم وأفضل الناس، والأمر ليس بالضرورة كذلك."
أمثلة من التاريخ
هتلر على الرغم من بشاعة فعله أراد إصلاح ألمانيا، والحجّاج أراد توحيد الدولة بقتل عبدالله بن الزبير. والقاتل يريد أن يثأر لأبيه والسارق يريد أن يعيش والمرتشي يريد الغنى. فلو تلاحظ أن طلب الإصلاح والوحدة والثأر والعيش الرغيد وطلب الغنى، هي مطالب شرعية وطيبة كثير يطلبها. ونعرف أن أبا بكر الصديق أراد توحيد الدولة من المرتدين، والله سبحانه وتعالى شرع الثأر بالقصاص المنظّم.
مع الأسف أن العذر بالنية الحسنة للتبرير عن الأخطاء أو الأفعال السيئة أصبح شائعاً. فكم من شخص يعمل العمل السيئ ويعتذر أن نيته كانت حسنة! لاحظ أنه لا يجب أن نحاسب الناس على نياتها ولكن على أفعالها. لأن النيات من علم الله سبحانه وتعالى وهو الذي ينظر إلى القصد من الأعمال.
فتكلّم في القرآن عن (وهو عليم بذات الصدور) وأيضاً (قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً).
ومن عجائب هذا أن الله يحوّل الأعمال العادية إلى عبادات يُؤجر عليها العبد بمجرد تحويل النية، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (وفي بضع أحدكم صدقة).
أسئلة للتفكر
- كيف نفسّر أفعالاً سيئة مثل الجرائم والسرقات والقتل وغيره من الأفعال السيئة؟
- كيف نفسّر أجر العالم المجتهد المخطئ والمجتهد المصيب ولماذا يُؤجر على هذه الأعمال؟
- كيف نفسّر الرجل الذي يُغفر له لحضور مجلس علم لم ينوِ به الاستزادة منه؟
- كيف تفسّر تحويل العادات والأعمال اليومية إلى حسنات بمجرد تحويل النية إلى نية عمل صالح؟
- من الأسئلة المعقدة: أفعال الخضر التي وردت في سورة الكهف في حادثة قتل الشاب وخرق السفينة!
استزادة:
