تأصيل مبدأ الملكية الفكرية…


 

"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" و "بلغو عني ولو آية" و "من كذب علي متعمدا ، فليتبوأ مقعده في النار". عندما يؤصل معلمنا الأول (صلى الله عيه وسلم) عن ربه (عز وجل) مبدأ الملكية الفكرية في أصل الدين و أن ديننا قائم على هذا المبدأ. فمنذ البداية كانت مشكلة المسيحية الأولى هي عدم التفريق بين كلام الرب وكلام العبد وكلام الأتباع! لذلك تجد أن الإسلام يركز على مبدأ حق الملكية الفكرية والذي تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه لكتابه. ومن ثم ترسخ هذا المبدأ في قلوب قواد النهضة الذين أقاموا عولمة إسلامية شملت مختلف العلوم والأديان والجنسيات والثقافات.

من أجمل العلوم التي طورت في هذا المجال هو علم أحب أن أسميه –تأصيل الملكية الفكرية للنبي صلى الله عليه وسلم- ويختصرونه باسم علوم الحديث التي لا أراها قائمة أصلا إلا على هذا المبدأ وهو حفظ أحاديث المصطفى (ص) ومنعها من الضياع ومنع انتساب الحديث لغير قائله. لو نلاحظ أن الثورة الذي قام به علم الحديث تقوم على محورين رئيسين: الأول هو طريقة الجمع و التأصيل –وتشمل التدوين والنقل عن الرواة و التحقيق في سلسة السند.

أما المحور الثاني – ما يهمنا في هذا المقام – هو الفلسفة التي قام عليها مبدأ الملكية الفكرية في علم الحديث والتي تقدم نظرة شمولية لما يسمى بالملكية الفكرية (Intellectual Property) في هذه الأيام. وهي في علم الحديث تشمل: أعمال المصطفى الفكرية ، و كلامه ، و أعماله –أفعاله- وحتى قراراته (ما يقر و ما ينكر). هذه النظرة العظيمة التي أسسها هذا العلم كفلت حق المفكر في عدم انتساب علمه إلى أحد والعكس.

لنلقي نظرة على الحقوق الفكرية عندنا هذه الأيام. نلاحظ غياب هذا النوع من الوعي وبالذات في مسائل حقوق الملكية الفكرية المعنية بالأشياء غير المادية مثل التصاميم الهندسية والبرامج الإلكترونية و المدونات الإلكترونية و الموسيقى والفنون و الألعاب و حتى الأجهزة. ينظر الناس للملكية الفكرية ويحصرونها في الكتب ونسخها وتوزيعها والاقتباس منها. لكن يتجاهلون حق المفكر في امتلاك فكره وتكون فكرة التعدي عليها سائغة للكثير. فتجد أن ثقافة التعدي تعلم وترسخ مفهومها في الأطفال منذ الصغر. فالآباء يعلمون أطفالهم أن يشتروا الألعاب المقلدة وعندما يكبر الطفل يتعلم أن يشتري البرامج المقلدة وفي المدرسة يرى أن مدرس الحاسب في أحيان كثيرة لا يتورع عن استخدام برامج مقرصنة.

غالبا ما تكون حجة هؤلاء غلاء الأسعار، لكن مع الأسف أنا لا أعرف كيف وصل بنا التعدي على المفكر وحقه في الاستفادة من فكره ماديا إلى درجة أن هذا الانتهاك يكون حقا طبيعيا للفرد يتعدى به على من يريد بحجة غلاء الأسعار؟ بل ويعلم هذا التصرف للأطفال الذين نراهم كل يوم يفضلون الألعاب المقلدة لأن تفكير أحدهم صار محصورا بمونولوج يدور في رأسه كلما أقدم على الشراء، وهو (أأشتري 10 برامج مقلدة بسعر برنامج أصلي؟) فالمبدأ قائم على الجشع والتعدي. مع أن المونولوج الصحيح الذي يجب أن يدور في أذهان الجميع هو (أأتعدى على 10 أعمال و أفكار في مقابل تقديري واحترامي لبرنامج أصلي بنفس السعر؟) الآن النظرة تختلف ولو نلاحظ أن المقارنة غير أخلاقية أصلا.

ومما أعجب له نظرة المروج لهذه البرامج المقلدة وهي أنه لا يحترم حقوق اللآخرين ويريد لنفسه أن يكفل حقه. لقد انتشر هذه الأيام في ما يسمى (حراج الكومبيوتر) أو أسواق الحاسب الآلي ممن يجمعون البرامج المقلدة ويقدمونها في قوالب تحمل ماركاتهم. مثلا تجد أن اسطوانة مرنة تحمل اسم القعقاع ، فيها الكثير من البرامج المقرصنة ، لكن المثير في الأمر هو أن صاحبها يكتب تحذيرا في الداخل ويقسم على المستخدم أغلظ الأيمان أنه يشتري النسخة الأصلية من القعقاع! لقد أحس صاحب هذا العمل أنه تحمل أعباء جمع البرامج المقرصنة و تصنيفها وترتيبها وتقديمها بشكل جميل و أن الناس يجب أن تحترم عمله وتقدره وتشتري نسخته الأصلية من مجموعة برامجه المقرصنة.

أنا أعتقد أنه يجب إعادة التفكير في هذه المبادئ التي تأصلت في نفوس آبائنا قبل أبنائنا ونعيد النظر في مسألة التعدي وانتهاك الحقوق. وأن المسألة أكبر من أن تسن لها القوانين والروادع. المسألة تبدأ في البيوت قبل المدارس و في المدراس قبل المؤسسات المدنية ، وكذ على مستوى الحكومات.

 

وائل كابلي

Advertisements

One thought on “تأصيل مبدأ الملكية الفكرية…

Add yours

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Blog at WordPress.com.

Up ↑

%d bloggers like this: